ابن الجوزي

33

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

إلى الجانب الغربي ، ونهب العوام من نهر معلى ، وديوان الخاص ما لا يحصى ، وأحرقوا الأسواق ، فركب الخليفة لابسا للسواد ، على كتفه البردة ، وعلى رأسه اللواء ، وبيده سيف مجرد ، وحوله زمرة من الهاشميين والجواري حاسرات منشرات ، معهن المصاحف على رؤس القصب ، وبين يديه الخدم بالسيوف المسلولة ، فوجد عميد العراق قد استأمن إلى قريش بن بدران ، وكان قريش قد ظافر البساسيري ، وأقبل معه ، فصعد الخليفة إلى منظرة له ، واطلع أبو القاسم ابن المسلمة وصاح بقريش : يا علم الدين ، أمير المؤمنين يستدنيك . فدنا فقال له : قد أتاك الله رتبة لم ينلها أمثالك ، فإن أمير المؤمنين يستذم منك على نفسه وأهله وأصحابه بذمام الله تعالى وذمام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وذمام العرب ، فقال له قريش : قد أذم الله تعالى له . فقال : ولمن [ 1 ] معه ؟ قال : نعم . وخلع قلنسوته من تحت عمامته فأعطاها الخليفة ذماما فتسرح ابن المسلمة إليهم من الحائط ، ونزل الخليفة ففتح الباب المقابل / لباب الحلبة وخرج ، فقبّل قريش الأرض بين يديه 18 / أدفعات ، فبلغ البساسيري ذلك فراسل ، وقال : أتذم لهما وقد استقر بيني وبينك ما استحلفتك عليه ؟ وكانا قد تحالفا أن لا ينفرد أحدهما بأمر دون الآخر ، وأن يكون جميع ما يتحصل من البلاد والأموال بينهما . فقال له قريش : ما عدلت عما استقر بيننا ، وعدوك هو ابن المسلمة فخذه وأنا آخذ الخليفة بإزائه . فقنع بذلك وحمل ابن المسلمة إلى البساسيري ، فلما رآه قال : مرحبا بمدفع الدول ، ومهلك الأمم ، ومخرب البلاد ، ومبيد العباد . فقال له : أيها الأمير [ 2 ] العفو عند المقدرة [ 3 ] . فقال : قد قدرت فما عفوت وأنت تاجر وصاحب طيلسان ، ولم تستبق من الحرم والأطفال والأجناد ، فكيف أعفو عنك وأنا صاحب سيف ، وقد أخذت أموالي ، وعاقبت حرمي ، ونفيتهم في البلاد ، وشتتني ودرست دوري ، ولكن هذا أيضا من قصورك [ 4 ] الفاسد ، وعقلك الناقص . واجتمع العامة فسبوه وهمّوا به ، فأخذه البساسيري يسير [ 5 ] إلى جنبه خوفا عليه

--> [ 1 ] في ص : « وكن » . [ 2 ] في ص : « أيها الأجل » . [ 3 ] في ص : « القدرة » . [ 4 ] في الأصل : « تصورك » . [ 5 ] « يسير » سقطت من ص .